الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
511
مختصر الامثل
كانوا يمتلكون أجساماً ضخمة ، وكانت لهم أطوال خارقة . بعد هذا الحديث يشير القرآن الكريم إلى رجلين أنعم اللَّه عليهما بالإيمان والتقوى والورع وشملهما بنعمه الكبيرة ، فجمعا صفات الشجاعة والشهامة والمقاومة مع الدرك الاجتماعي والعسكري ممّا دفعهما إلى الدفاع عن اقتراح النبي موسى عليه السلام فواجها بني إسرائيل بقولهما : ادخلوا عليهم من باب المدينة ، وحين تدخلون عليهم سيواجهون الأمر الواقع فتكونون أنتم المنتصرون ، تقول الآية الكريمة في هذا المجال : « قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ » . وتؤكد الآية - بعد ذلك على ضرورة الاعتماد على اللَّه في كل خطوة من الخطوات والاستمداد من روح الإيمان بقوله تعالى : « وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ » . وما ذكره أغلب المفسّرين حول هوية هذين الرجلين هو أنّهما « يوشع بن نون » و « كالب بن يوحنا » وهما من النقباء الاثني عشر في بني إسرائيل . والذي حصل حقيقة هو أنّ بني إسرائيل لم يقتنعوا بأي من الإقتراحات المذكورة ، فهم بسبب الضعف والجبن المتأصلين في نفوسهم خاطبوا موسى عليه السلام وأخبروه صراحة بأنّهم لن يدخلوا تلك الأرض ما دام العمالقة موجودين فيها ، وطالبوا موسى أن يذهب هو وربه لمحاربة العمالقة وسألوه أن يخبرهم عن انتصاره حيث هم قاعدون ، وفي هذا المجال تقول الآية الكريمة : « قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا ههُنَا قَاعِدُونَ » . ثم نقرأ في الآية التالية أنّ موسى أصابه اليأس والقنوط من القوم ، ورفع يديه للدعاء مناجياً ربّه قائلًا : إنّه لا يملك حرية التصرف إلّاعلى نفسه وأخيه ، وطلب من اللَّه أن يفصل بينهما وبين القوم الفاسقين العصاة ، لكي يلقى هؤلاء جزاء أعمالهم ويبادروا إلى إصلاح أنفسهم ، حيث تقول الآية الكريمة في هذا المجال : « قَالَ رَبّ إِنّى لَاأَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِى وَأَخِى فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ » . وبديهي إنّ رفض بني إسرائيل القاطع لأمر نبيهم كان بمثابة الكفر . وكانت نتيجة صلف وعناد بني إسرائيل أنّهم لاقوا عقابهم ، إذ استجاب اللَّه دعاء نبيه موسى عليه السلام فحرم عليهم دخول الأرض المقدسة ، المليئة بالخيرات مدّة أربعين عاماً ، وفي هذا المجال تقول الآية القرآنية الكريمة : « قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً » . وزادهم عذاباً إذ كتب عليهم التيه والضياع في البراري والقفار طيلة تلك الفترة ، حيث تقول الآية في ذلك : « يَتِيهُونَ فِى الْأَرْضِ » .